ابن حزم

79

رسائل ابن حزم الأندلسي

أخرى أن ينظم بعد صلاة الصبح ؛ وشعره حتى في الطوق زاخر بالمعاني ، تكثر فيه المؤثرات الثقافية والإشارات إلى العلوم والعقائد والتعليلات ويكشف عن أثر الفقه الظاهري والمنحى الجدلي ، ولا يفتأ يشقق المعاني ويولدها دون اهتمام كثير برونق الصياغة ، وفي شعره في الطوق جانب دقيق قد نسميه " الجانب الباطني " كان يهرب إليه أحياناً من قسوة الظاهر وحدته ، وينقل فيه معاني التنزيه والتوحيد ، ويتأول الأشياء على غير ظاهرها حتى كان بعض أصدقائه يسمي قصيدة له " الإدراك المتوهم " وفيها يقول : ترى كل ضد به قائماً . . . فكيف تحد اختلاف المعاني فيا أيها الجسم لا ذا الجهات . . . ويا عرضاً ثابتاً غير فان نقضت علينا وجوه الكلام . . . فما هو مذ لحت بالمستبان وتجده وهو المتمسك بأشد ألوان التنزيه يقول : أمن عالم الأملاك أنت أم انسي . . . ابن لي فقد أزري بتمييزي العي أرى هيئة إنسية غير أنه . . . إذا أعمل التفكير فالجرم علوي ولا شك عندي أنك الروح ساقه . . . إلينا مثال في النفوس اتصالي ولولا وقوع العين في الكون لم نقل . . . سوى أنك العقل الرفيع الحقيقي ومن تأمل هذا اللون من الشعر في موضوع الحب خاصة وجد أن ابن حزم الظاهري المتشدد قد بلغ فيه مشارف التصوف " الباطني " - لكن عن طريق التأمل الفكري - وهو في هذا الجانب المستمد من الوهم متأثر بطريقة أبي إسحاق النظام ، معجب بها . وتكاد أكثر المواقف العاطفية أن تكون لديه " قضايا " تحاكم بمنطق العقل ، وتتطلب استدلالاً : تصور نفسه انتظر زيارة المحبوب ، فلما حل الظلام أدرك أنه لن يأتي ، فما الدليل . وعندي دليل ليس يكذب خبره . . . بأمثاله في مشكل الأمر يستدل لأنك لو رمت الزيارة لم يكن . . . ظلام ودام النور فينا ولم يزل